محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
275
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وقال ابن المسيّب : إنّه كان من بني الجانّ ؛ فتبنّته الملائكة حين أمروا بنفيهم من الأرض وكان صغيرا ، فنشأ بين الملائكة ، فكان منهم ، كما يقال : مولى القوم منهم ؛ وقالوا : إنّما استثني ( 119 آ ) إبليس من الملائكة وليس منهم ، لأنّه أمر بالسجود معهم بخطاب آخر . وقوله : أَبى دليل على أنّه كان مأمورا ، وليس بممتنع جواز الاستثناء من غير الجنس ، كما قال تعالى : ما لَهُمْ [ بِهِ ] مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ ؛ ومن ذهب إلى القول الأوّل يقول في قوله : كانَ مِنَ الْجِنِّ أي ضالّا كما أنّ الجنّ كانوا ضالّين . قاله الزجّاج في الجواب ؛ وقد قيل : معناه من قبيل « من الملائكة » يقال لهم : الجنّ خلقوا من نار السموم ، أو كانوا خزّان الجنّة ، فنسبوا إليها ، كما يقال : مدني وبصري ؛ ولا يبعد أن يكون اللّه سبحانه حين لعنه وأهبطه إلى الأرض ركّب فيه الشهوة ، كما غيّر صورته واسمه وحصلت له ذرّيّة ، وقد فعل بهاروت وماروت مثل ذلك . فإن قيل : أليس اللّه تعالى قال : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ ؟ فلو كان من الملائكة لما خالف أمر اللّه . قيل في الجواب : إنّ هاروت وماروت كانا من الملائكة وعصيا ، وهذا ليس يغني ؛ فإنّ السائل ينازع في كونهما ملكين عصيا ، والإشكال في الموضعين على السواء ؛ فلا بدّ إذا من تخصيص قوله : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ بجماعة من الملائكة ، أو إخراج إبليس من جملة الملائكة ، أو حمل ذلك على أن خلق فيه النفس الغضبية التي ينشأ منها الكبر ، كما خلق النفس الشهوية في الملكين ، وسيظهر هذا الجواب في ذكر الاسرار . وقوله : أَبى « 1 » أي امتنع فلم يسجد ؛ وَاسْتَكْبَرَ أي تكبّر وتعظّم عن السجود لآدم . قال ابن عبّاس والكلبي ومقاتل والحسن « 2 » : قوله وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ أي في سابق علم اللّه تعالى . قال الحسن : كان من الكافرين وليس قبله كافر كما كان من الجنّ وليس قبله جنّ . قال ابن عبّاس في رواية أبي صالح : كان من الكافرين في علم اللّه فلم يستطع السجود . وقال مقاتل : كان من الذين وجبت لهم الشقاوة . وقال القرظي : ابتدأ اللّه خلق إبليس على الكفر والضلالة ؛ فعمل بعمل الملائكة ؛ فكان مصيره إلى ما بدأ خلقه .
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : اللغة . ( 2 ) . في الهامش عنوان : التفسير .